ترحال المرأة المسلمة | بين الفقه والعصر
ما من خير في الدنيا والآخرة إلا حثّنا اللّٰه عليه ودلنا إليه، وما من شر إلا نهانا عنه وحذرنا منه، فتركنا رسول اللّٰه ﷺ على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك..
وقد طال السجال وكثر الجدال في قضيّة سفر المرأة بدون محرم على أن أدلتها صريحة واضحة وبيّنة
فقال ﷺ « لا تُسَافِرِ المرْأَةُ إلَّا مع ذِي مَحْرَمٍ، وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا رَجُلٌ إِلَّا ومعهَا مَحْرَمٌ، فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسولَ اللَّهِ إنّي أُرِيدُ أنْ أخْرُجَ في جَيْشِ كَذَا وَكَذَا، وامْرَأَتي تُرِيدُ الحَجَّ، فَقالَ: اخْرُجْ معهَا.» رواه البخاري ومسلم
وهذ دليل صريح في عدم جواز سفر المرأة للحج بدون محرم، وذلك في أمر رسول اللّٰه ﷺ الرجل بترك الجهاد والذهاب للحج مع امرأته مع أنه مسجل في الغزو، وهذا صريح في كل سفر، فإن كان الواجب يسقط بعدم وجود المحرم، فأولى ذلك عدم جوازه في غير ذلك من الأسفار.
وللمجيزين أدلّة ناقشوها، فقالوا فيها:
الأول: وجوب الحج للمستطيع بغير اشتراط وجود المحرم، وإنما الشرط أن تجد المرأة السبيل بأن تكون آمنة على نفسها، وهذا يحصل بالمحارم، أو النسوة الثقات، وقد يكثر الأمن فلا تحتاج لأحد وتسير لوحدها.
الرد: قولهم بأن الأمن يحصل بالنسوة الثقات، أو الرفقة المؤمنة فالمسألة ليست كذلك، لأن اشتراط النسوة الثقات أو الرفقة المؤمنة لا يوجد له دليل لا من القرآن ولا من السنة! فلا يصح ترك الأحاديث الصريحة الصحيحة باشتراطات لم ترد، والمطلوب من المسلم الرجوع إلى الوحيين.. ولا يجوز ترك قول رسول الله ﷺ لقول أحد؛ وكلٌ يؤخذ من قوله ويرد إلا قول رسول اللّٰه.
الثاني: حديث النهي من الرسول ﷺ إنما هو لحفظ المرأة، فإذا تحقق الأمن كان لها أن تسافر مع رفقة مؤمنة.
الرد: الإشكال أن من يقول بهذا يعتقد أن الأمن هو سبب تحريم السفر بغير محرم، ولكن الحقيقة أن العلة والسبب هي: السفر، والسفر وحده. وحفظ المرأة وصيانتها حكمة من حكم مشروعية وجود المحرم، فمتى ما وُجد السفر وجد الحكم، ومتى ما انعدم السفر انعدم الحكم.
الثالث: حديث أمر الرسول ﷺ للرجل بالحج مع امرأته لم يلزمه فيه بالرجوع، ولا عاب سفرها إلى الحج بغير محرم، وأقرّها على ذلك، ثم اتجه الأمر للزوج باللحاق بامرأته..
الرد: هذا الاعتراض ضعيف، لأنه لو لم يكن المحرم شرط لما أمر الرسول ﷺ زوجها بالسفر معها، وترك الغزو الذي قد كُتب فيه، وفي رواية أخرى في مسند الإمام أحمد أن الرجل قال: (إني نذرت أن أخرج في جيش كذا وكذا) فلو لم يكن شرطًا ما رخص له في ترك النذر.. وقولهم ولا عاب سفرها بغير محرم فذلك لأنّه بأمره زوجها باللحاق بها تمّ المطلوب، فيسقط هذا الاعتراض.
وفي المبحث هذا توسّع وأدلّة كثيرة تفيد جميعها رجحان القول بتحريم سفر المرأة بغير محرم، فالواجب عليكِ أمة الله التسليم لهذه النصوص وعدم تجاوزها والتعلّق بأقوال ليس لها دليل..
حين نقف في قبورنا لا أحد سيحمل عنا ما نلاقي، ولا أحد سيجيب بدلًا منا حين يسألنا الله عز وجل. عندها لن تنفعنا تبريراتهم ولا الرخص التي بحثوا عنها لنا، ولا الأقوال الشاذة التي زيّنوها.
ولنقرب الصورة: لو احتاج أحدكم إلى عملية جراحية، لبذل جهده في السؤال عن أمهر الأطباء وأوثقهم، ولما رضي أن يسلّم جسده لشخص غير أمين أو قليل علم، وذلك لأجل ساعة أو ساعات يجري فيها عملٌ على البدن.
فكيف بمن سلّمناه وأمناه على آخرتنا؟ كيف نرضى أن نسلّم مصيرنا الأبدي لأي قول يقال، أو فتوى شاذة تُروّج، ونغفل عن الوحي والحق المبين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؟
فالله الله في تعظيم أوامر الله ونواهيه، وتمييز الصحيح من الباطل، والرجوع إلى العلماء الراسخين، لا إلى من يزيّنون الأحكام ويتتبعون الرخص!
ومن تمام الإيمان أن يُسلم العبد لحكم الله ورسوله ﷺ، سواء وافق هواه أو خالفه، قال تعالى:
﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾
فالشرع كله جملة وتفصيلًا قائم على مبدأ التسليم.. ليخرج الإنسان من داعية هواه إلى اتباع الوحي
﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾
فأعظم أسباب الانحراف أن يُقدَّم الهوى على النص، ويُترك وهو واضح صريح لحجج واهية كما هو الحال في مسألة سفر المرأة بغير محرم. فالواجب الوقوف عند قول النبي ﷺ، وترك ما خالفه.
“كلُّ من له مُسكة من عقل يعلم أن فساد العالم وخرابه، إنما نشأ من تقديم الرأي على الوحي، والهوى على العقل، وما استحكم هذان الفاسدان في قلب إلا استحكم هلاكه، ولا في أمة إلا فسد أمرها أتم فساد.” - ابن القيم
نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.


الجهل والتسليم بالامور دون مناقشتها عقليا وتحكيمها للشرع والغاء العقل تحت مسمى انك لاتفقه اكثر منهم اكبر طامة واكبر سوء تفعله لنفسك قبل كل شيء فبذلك تسيء للنعمة التي منحها الله لك العقل الذي ميزت به بكل بساطة اي خطاب يدعو لإلغاء العقل لايصدر الا من جاهل وهو بطبيعة الحال لا يليق بأمة اول ماانزل فيها كانت كلمة اقرأ